عبد الملك الجويني
9
نهاية المطلب في دراية المذهب
وقال العلماء بالفرائض : تحزّب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثةَ أحزاب ، فتكلم أربعةٌ منهم في جميع الفرائض : علي ، وزيد بن ثابت ، وابن مسعود ، وابن عباس . وتكلم قومٌ في معظم أصول الفرائض مثل : أبي بكر ، وعمر ، ومعاذ . وتكلّم بعضُهم في مسائلَ نادرةٍ ، كعثمان وغيره رضي الله عنهم أجمعين . ثم من بدائع حكم الله تعالى أن الأربعة الذين تكلموا في الجميع لم يُجمِعوا في مسألة إلا أجمعت الأمة على مذهبهم ، ولم يتفق في مسألة مصير اثنين منهم إلى مذهب ، وذهاب اثنين إلى مذهب الآخر ، ولكن إذا اختلفوا وقفوا آحاداً ، وصار ثلاثةٌ إلى مذهب ، وواحد إلى مذهب واحد . 6191 - ثم نظر الشافعي إلى مواقع الخلاف ، ولم يجد مضطرباً في المعنى ، فاختار أن يتبع زيد بن ثابت ، ولم يضع لأجل هذا كتاباً في الفرائض ، لعلمه بعلم الناس بمذهب زيد ، وإنما نصّ على مسائلَ متفرقة في الكتب ، فجمعها المزني ، وضم إليها مذهب زيد في المسائل . ولم يقل : تحرَّيْتُ [ فيها ] ( 1 ) مذهب الشافعي كقوله في أواخر الكتب التي مضت ؛ فإن التحرّي اجتهاد ، ولا اجتهاد في النقل . وقد تحقق عنده اتباع الشافعي زيداً . وتردد قول الشافعي حيث ترددت الروايات عن زيد ، واعتمده فيما رواه من ذلك ما رواه الأثبات عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " أفرضكم زيد " ( 2 ) ، قال المحققون : لو رفعت واقعة إلى مجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وفيها مذاهب لعلماء صحابته ، فقال فيها :
--> ( 1 ) ساقطة من الأصل فقط . ( 2 ) حديث " أفرضكم زيد " رواه أحمد ، والترمذي ، والنسائي في الكبرى ، وابن ماجة من حديث أنس ( ر . أحمد : 3 / 184 ، الترمذي : المناقب ، باب مناقب معاذ وزيد ، ح 3791 ، النسائي في الكبرى : 8242 ، ابن ماجة : المقدمة باب فضائل أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ح 154 ، التلخيص : 3 / 172 ح 1389 ) .